السيد كمال الحيدري

39

معرفة الله

إليه وحصول المعرفة به في عالمنا هذا ، ولكنّ السيل لم يحفظ ماءه الإلهي فاحتمل معه زبداً رابياً فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً « 1 » ، فمن أقصر النظر على الماء ونأى بنفسه عن الزبد ( عدم الالتفات إلى عالم المادّة ) فذلك الذي نجا وسما وله الحُسنى ، لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى « 2 » ، ومن استحكم الزبد بحركاته وسكناته الفكرية والسلوكية ونأى بنفسه عن الحقّ فذلك الذي بغى وطغى وخلد إلى الأرض ، فلا يُجديه بعد ذلك خلوده السفلي ولو افتدى بجميع ما خلُد إليه في الأرض وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ « 3 » . إنّ الاستجابة وعدمها تعبيران آخران عن الرجوع إلى الفطرة وعدم الرجوع إليها ، فمن استجاب وعاد إلى فطرته فله الحسنى ، ومن لم يستجب ولم يعد إلى فطرته فله سوء الحساب . إنّ غلبة الزبد على السيل واستحكامه بحركات الإنسان وسكناته هو ما يُعبَّر عنه قرآنيّاً بالرين : كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ « 4 » . فمن بلغت به التعلّقات المادّية إلى درجة الرين فذلك لا يُتوقّع منه الاستجابة والعود ، وأمّا مَن لم تبلغ به تعلّقاته المادّية درجة الرَّين فإنّ الزبد وإن علا سيله إلّا أنّه لا يمكث فيه . . . فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ « 5 » .

--> ( 1 ) الرعد : 17 . ( 2 ) الرعد : 18 . ( 3 ) الرعد : 18 . ( 4 ) المطفّفين : 14 . ( 5 ) الرعد : 17 .